الشيخ حسن أيوب
28
الحديث في علوم القرآن والحديث
المكي يشير في منظومته بقوله : وما سوى ذاك مكيّ تنزّله * فلا تكن من خلاف الناس في حصر فليس كل خلاف جاء معتبرا * إلا خلاف له حظ من النظر وقد جرى هذا البيت مجرى الأمثال عند أهل العلم . اه . إنزالات القرآن شرّف اللّه هذا القرآن بأن جعل له ثلاثة إنزالات : الإنزال الأول : إلى اللوح المحفوظ ، ودليله قول اللّه سبحانه : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ سورة البروج آية : 21 ، 22 ] . وكان هذا الوجود في اللوح بكيفية لا يعلمها إلا اللّه تعالى ، ثم من أطلعه اللّه على غيبه ، وكان جملة لا مفرّقا ؛ لأنه الظاهر من اللفظ عند الإطلاق ولا صارف عنه . ولأن حكمة تنجيم القرآن على النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا يعقل تحقيقها في هذا الإنزال . وحكمة هذا الإنزال ، ترجع إلى الحكمة العامة من وجود اللوح نفسه ، وإقامته سجلا جامعا لكل ما قضى اللّه وقدر ، وكل ما كان وما يكون فهو شاهد ناطق ، ومظهر من أروع المظاهر الدالة على عظمة اللّه وعلمه ، وإرادته ، وحكمته ، وواسع سلطانه وقدرته . الإنزال الثاني : كان إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، والدليل عليه قول اللّه سبحانه : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [ سورة الدخان آية : 3 ] ، وقوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ سورة القدر آية : 1 ] وقوله : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ سورة البقرة آية : 185 ] . دلت هذه الآيات على أن القرآن أنزل في ليلة واحدة توصف بأنها مباركة أخذا من آية الدخان ، وتسمى ليلة القدر أخذا من آية سورة القدر ، وهي من ليالي شهر رمضان أخذا من آية البقرة . وإنما قلنا ذلك جمعا بين هذه النصوص في العمل بها ، ودفعا للتعارض فيما بينها . ومعلوم بالأدلة القاطعة - كما يأتي - أن القرآن أنزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم مفرقا لا في ليلة واحدة ، بل في مدى سنين عددا . فتعين أن يكون هذا النزول الذي ذكرته هذه الآيات الثلاث نزولا آخر غير النزول على النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقد جاءت الأخبار الصحيحة مبينة لمكان هذا النزول ، وأنه في بيت العزة من السماء الدنيا . كما تدل الروايات الآتية : 1 - أخرج الحاكم بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : « فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي صلّى اللّه عليه وسلم » .